دقت الساعة 12 دقة معلنة بذلك منتصف الليل.. وفي نفس اللحظة وصلت عربة المسافرين.. كان عددهم اثنى عشر مسافراً.. كلهم غرباء..
وضع موظف الجمارك المسؤول غطاءاً فوق رأسه، وارتدى معطفاً سميكاً يحميه من البرد.. فقد كان اليوم هو الأول من يناير.. وهرول ليتحقق من صحة المسافرين وأسمائهم.. وأسنانه تصطك من برودة الطقس.
قال المسافر الأول.. لوكان شاباص قوياً يضع فوق كتفيه غطاءً من فراء الدب:
- أنا الرجل الذي يضع كل الناس فيه آمالهم ويبدأون من عندي مشاريعهم ليحققوا أمانيهم.. وهم يطلقون عليَّ اسم "يناير"!.
كان المسافر الثاني رجلاً ضاحكاً غريب الأطوار.. لا يفكر الا في اللهو و العبث فقد كان يعرف انه لن يعيش طويلاً.. قال لموظف الجمارك وهو يضحك من قلبه ولا يكف عن الحركة:
- كيف؟ ألا تعرفني؟ أنا أمير الحفلات التنكرية.. وأسافر دائماً باسم "فبراير"..
شعر موظف الجمارك بشيء من الضيق من جلبة هذا المسافر وأسرع يلتفت إلى الثالث الذي كان واضحاً انه يعنى عناية خاصة بأناقته و يضع في عروة سترته باقة صغيرة من زهر البنفسج..ويسير بزهو وبطء ليراه الجميع.. فأسرع المسافر الرابع يدفعه للأمام وهو يقول له:
- تقدم يا "مارس".. أعط الفرصة لغيرك حتى يأخذ مكانه..
ثم أخرج المسافر الرابع من جيبه شريط أصفر زعم أنه شعاع من أشعة الشمس أستطاع أن يقبض عليه..!
لكن هذا لم يكن صحيحاً.. فقد كان المسافر الرابع يريد فقط أن يطلق أولى أكاذيبه. لأنه كان "ابريل" بالطبع! وقال لموظف الجمارك مازحاً:
- انني أعرف أضحك و أبكي في نفس الوقت.. تمام كما تسقط الأمطار و الشمس ساطعة... ها.ها.ها..هيء..هيء..هيء..
وسرعان ما تبددت دهشة موظف الجمارك وشعر بشيئ من الراحة حينما هبط المسافر الخامس "مايو" وهو يشدو بأغنية رقيقة ذكرته بالحقول الخضراء ومواسم الحصاد... ثم أعاده إلى أرض الواقع مظهر السيدة "يونيه" بشبابها وأناقتها الملحوظة.. واعتزازها بنفسها وكان في صحبتها شقيقها الصغير "يوليو" الذي كان يمسك بطرف ثوبها ولم تكن لديه من الأمتعة غير ثوب واحد هو ثوب البحر (المايوه)...
كان واضحاً أن المسافر رقم 8 كان تاجر فاكهة.. فقد كان يحمل بين يديه سلة كبيرة مملوءة بالتفاح و العنب و التمور بأنواعها وكان يحاول أن يحافظ على توازنه حتى لا تسقط من سلته بطيخة يبدو أنها كانت تريد أن تأخذ مكان ثمرة شمام صغيرة.. كان اسم هذا المسافر "أغسطس"..
أما المسافر رقم 9 فكان رساماً معروفاً وفنانا أشتهر ببراعته في تلوين الأوراق بهذه الألوان التى تجمع بين التناسق وحسن الجوار وقرأ موظف الجمارك في أوراقه الرسمية اسم "سبتمبر".. و سمح له بالمرور بعد أن رحب به ترحيباً يليق بمقامه!
كان المسافر رقم 10 الذي يعرف بإسم "أكتوبر" من أولئك النبلاء الذين يتحدثون عن الصيد و الزراعة بطلاقة ومعرفة فائقتين.. لكن موظف الجمارك المسكين لم يستطع أن يلتقط من حديثه الشيق إلا القليل.. بسبب المسافر الذي يليه والذي غطت نوبات العطس المتتالية على كلامه.. وخشى الموظف على صحته.. وحتى لا يلتقط منه عدوى الانفلونزا، قدم إليه مجموعة من المناديل الورق وهو يقول له:
- تفضل يا "نوفمبر".. امسح فمك و انفك حتى لا تزيد عدد المرضى.. وأنصحك بتناول الكثير من عصير البرتقال لان فيتامين (C) يقاوم البرد!
وأسرع موظف الجمارك يبتعد عن هذا المسافر الذي لا يكف عن العطس و السعال ليستقبل آخر المسافرين..
كان المسافر رقم 12 هو الجد "ديسمبر".. وبرغم سنه المتقدمة ومظهره العجوز، كان يحمل بحيوية شاب قوي شجرة صنوبر كبيرة وقال لموظف الجمارك..
- سوف أدعوك لمشاهدة هذه الشجرة بعد أن أزينها بالانوار والهدايا و الزهور.. ومن يدري فقد تكون من نصيبك هدية تفيدك.. مدفأة صغيرة مثلاً.. ها!ها!..
بعد أن ألقى موظف الجمارك نظرة على أوراق جدو "ديسمبر".. ابتسم له وشكره ثم التفت الى المسافرين جميعهم..وقال لهم:
- مرحباً بكم جميعاً.. وسنة جديدة سعيدة عليكم و علينا..

تعليقات
إرسال تعليق