سعيد.. الحطاب السعيد

افتتان ممتاز

صحيح، كان الفتى "سعيد" حطابا فقيرا، لكنه كان نشيطاً، مرحا، يؤدي عمله باتقان و اخلاص، وكان يسلى نفسه بالغناء أثناء وجوده في الغابة.. وبينما تعلو الفأس وتهبط لتقطع الأخشاب.. كان صوته يعلو بالغناء فيقول:
حينما أمسك فأسي.
أرفع للسماء رأسي.
أدعو الله يعينني.
والله بالدعاء.. يجيبني..
ترى.. ماذا ستصبح هذه الأخشاب؟
مجرد صندوق.. أو ضلفة دولاب أو سقف كوخ.. أو برواز شباك؟
هيا يا فأسي..
دعيني أرفع رأسي..
.. ذلك ان "سعيد" لم يكن يملك من الدنيا غير فأسه التى كانت مصدر رزقه الوحيد، لأنها كانت تسمح له ببيع الخشب الذي يقطعه بها.
في صباح يوم من الأيام، وبينما "سعيد" يعمل بجد ونشاط وهو يقطع الخشب بجوار أحد الأنهار، اذا به يفقد توازنه.. وتنزلق الفأس من بين يديه وتسقط في النهر..! ولأول مرة في حياته يشعر "سعيد" بأن أسمه لا يدل على حاله.. لأنه في تلك اللحظة، أحس انه تعيس جداً.. بل أتعس انسان في العالم.. وأخذ يحدث نفسه قائلاً:
- بدون فأسي الوحيدة.. ماذا سأفعل الآن؟ وأي مصير ينتظرني؟ انني لا أملك مالاً أشتري به فأساً أخرى.. كيف سأعيش.. وأهيىء لنفسي ما يلزمني من طعام وثياب وخلافه...؟
اختنق الغناء في حلق الفتى.. وفقد روح المرح التى كانت تلازمه وظل يردد بحزن وأسى:
- بدون فأسي.. ماذا سيكون مصيري؟ بدون فأسي كيف ستكون حياتي؟ بدون فأسي.. كيف أرفع بين الناس رأسي؟
جذبت هذه الكلمات اليائسة إنتباه رجل عجوزعجيب كان يسير على مهل وهو يتوكأ على عصا.. ولما سأل "سعيد" عن سبب حزنه ويأسه قال الفتى و الدموع تكاد تطفر من عينيه:
- لقد سقطت فأسي في النهر.. وأنا لا أعرف فن السباحة والغوص.. والفأس ثقيلة.. ولابد أنها استقرت في قاع النهر العميق.. ولست أدري ماذا أفعل؟
قال الرجل العجوز بطيبة وعطف:
- لا تيأس من رحمة الله يا بني.. ولعل الله أرسلني في هذه اللحظة لأمد لك يد المساعدة.. فأنا أجيد فن الغوص..
وقبل أن يفيق الفتى من دهشته.. قفز العجوز فجأة في النهر، ثم خرج بعد بضع دقائق وهو يحمل في يده فأساً رائعة من الذهب الخالص البراق. سأل العجوز الفتى:
- هل هذه فأسك يا بني؟
رد الحطاب على الفور:
- لا.. لا يا سيدي.. انها ليست فأسي بكل أسف.. ان فأسي...
وقبل أن يكمل الفتى وصف فأسه، قفز العجوز مرة ثانية في النهر.. ثم خرج بعد دقائق وهو يحمل في يده فأساً في غاية الجمال من الفضة الخالصة اللامعة. سأل العجوز الفتى:
- هل هذه فأسك يا بني؟
رد الحطاب على الفور:
- لا.. لا يا سيدي.. انها ليست فأسي بكل أسف.. ان فأسي...
وقبل أن يكمل الفتى وصف فأسه، قفز العجوز مرة ثالثة في النهر ثم خرج بعد دقائق ومعه الفأس التى سقطت من الحطاب. سأل العجوز الفتى:
- هل هذه فأسك يا بني؟
رد الفتى وهو يكاد يطير من السرور والدهشة:
- نعم يا سيدي.. نعم..! هذه فأسي.. فأسي التى سقطت في النهر حينما أختل توازني..
قال العجوز وهو يهز رأسه باعجاب وينظر الى الفتى بمحبة وتقدير:
- اذن هي لك يا بني! لكن.. لأنك أظهرت انك لست طماعا ولا كاذبا فأنت تستحق مني مكافأة: هيا.. تقدم.. تستطيع ان تحتفظ بهاتين الفأسين أيضاً.. الفأس الذهبية.. والفأس الفضية..
وقبل أن يقدم الفتى الشكر إلى العجوز لمساعدته ومكافأته.. كان الرجل قد إختفى تماماً..
و..عادت الغابة تردد من جديد أغاني الحطاب النشيط.. واستعاد الفتى ثقته بأن اسمه يدل حقاً على حاله.. فهو بالفعل لا يزال "سعيد" الحطاب السعيد!

تعليقات