البنت و الكمَّثرىَ

من حكايات إتالو كالفينو ترويها مريم خلفان

كان لرجل بستان من الكمثرى، وكان يثمر كل عام ألذ فاكهة كمثرى في تلك الناحية، وكان لهذا الرجل بنت صغيرة و جميلة، كانت تحب تلك اللأشجار وتساعد والدها على الإعتناء بها، وقد اعتاد هذا الرجل أن يقدم للملك أربع سلال من الكمثرى كل سنة تعبيراً عن محبته له، فقد كان ذلك الملك عطوفاً محباً لشعبه.
كانت البنت الصغيرة تقف ليلاً تراقب أضواء القصر و تسمع الموسيقى المنبعثة من هناك في بعض الليالي، وتحلم بدخول القصر وروؤية كل ما فيه. شغلتها الفكرة طويلاً، وذات مرة وفي موسم الكمثرى رأت والدها يحضر السلال الأربع للملك ويغطيها بالأوراق الخضراء، فشعرت أن الوقت قد حان لتبدأ مغامرتها. كتبت رسالة لوالدها تطلب منه تفهُّم رغبتها في رؤية القصر و الناس الذين يعيشون فيه، وأنها لن تنساه و ستعود إليه، ورجته ألا يقلق بشأنها، ثم علقت الرسالة على شجرة الكمثرى التى اعتادت الجلوس في ظلها.
كان الرجل يغتسل ويستعد لحمل السلال حين قفزت البنت الى احداها مزيحة بعض الثمار ومتدثرة بأوراق الكمثرى، ظلت مختبئة هناك الى أن وصلت السلال الى القصر ووُضعت في غرفة التخزين. شعرت بالجوع فبدأت تأكل الكمثرى وتلقى بالنوى خارج السلة. لاحظ الخدم النوى على الأرض فقالوا لابد أن هناك فأراً كبيراً يأكل الكمثرى، لابد أن نتخلص منه، وحين أزاحوا الأوراق وجدوا فتاة صغيرة، ففرحوا بها ودعوها للعمل معهم وسموها ((كمثرى)) ثم أحبوها ودللوها وسموها كوكي.
كانت كوكي ذكية وماهرة فتعلمت أعمال الخدم بسرعة، وكانت جميلة ولطيفة فأحبها الجميع بمن فيهم أبن الملك الذي كان في مثل عمرها، وصارا صديقين لا يفترقان، إلاَّ أن هذا أثار غيرة بعض الخدم فقرروا التخلص منها. فسرت في القصر إشاعة وصلت إلى الملك، تقول الإشاعة أن كوكي تدعى القدرة على إحضار الكنز الذهبي من الأرض المسحورة.
استدعى الملك الفتاة و سألها، لكنه لم يصدقها وهي تقسم له ببرائتها من ذلك الإدعاء، وخيرها بين ترك القصر نهائياً أو إحضار الكنز الذهبي. خرجت الفتاة من القصر لا تعرف ماذا تفعل، مشت طويلا إلى ان أدركها التعب.
مرت بشجرة تفاح فلم تتوقف عندها، ثم بشجرة خوخ  فتجاوزتها الى أن وصلت الى شجرة كمثرى تسلقتها ونامت بين أغصانها. في الصباح استيقظت ونظرت تحت الشجرة فرأت سيدة صغيرة الحجم ، فنزلت و سلمت عليها، سألتها السيدة: ما الذي أتى بك الى هنا يا ابنتى؟فأخبرتها الفتاة بقصتها،فقالت لها السيدة: خذي هذه الثلاث أوقيات من أعواد الذرة وامضى في طريقك. شكرتها الفتاة ومضت في طريقها.
في الطريق مرت الفتاة بمخبز فرأت ثلاث نساء يكنسن الموقد بشعورهن، فأعطتهن أعواد الذرة ليكنسن بها الموقع بدلاً من شعورهن، فسمحن لها بأن تتابع سيرها في الطريق. مشت طويلاً الى أن وجدت ثلاث كلاب كبيرة تنبح وتهاجم أي شخص يمر من ذلك الطريق،ألقت لها الفتاة بالخبز، فتركتها الكلاب تمر.
تابعت سيرها الى أن وصلت أخيراً الى نهر من الدم، ولم تكن لديها أية فكرة عن كيفية عبوره لكنها تذكرت أن السيدة أوصتها أن تقول:
- أيها الماء شديد الحمرة.. إنني في عجلة من أمري .. فهل تدعني أمر؟
عند سماع هذه الكلمات انشق النهر الى قسمين و تركها تمر. على الضفة الأخرى من النهر شاهدت كوكي واحداً من أعظم القصور التى رأتها في حياتها. توقفت أمام باب القصر الذي كان يفتح و يقفل بسرعة شديدة، بحيث لا يمكن لأي شخص أن يدخل إلى القصر. فما كان من كوكي إلاَّ أن وضعت الثلاث أوقيات من الدهن على مصارع الباب الذي هدأ وبدأ يفتح و يقفل بهدوء.
دخلت كوكي إلى القصر و في الداخل بحثت عن الكنز، فوجدت صندوقاً على طاولة صغيرة، حملته وهمت بالخروج حين سمعت الصندوق يقول: اقتلها أيها الباب اقتلها! إلاَّ أن الباب رد: لا أستطيع لأنها اهتمت بي ودهنت مفاصلي التى كانت مهملة لزمن طويل.
وصلت كوكي إلى النهر، فقال له الصندوق: أيها النهر أغرقها، أغرقها! فرد عليه النهر: لا أستطيع لأنها نادتني بالماء اللطيف شديد الحمرة!
مشت كوكي الى أن وصلت الى الكلاب الثلاثة فقال لها الصندوق: التهميها التهميها! إلاَّ أن الكلاب ردت: لا نستطيع لأنها أعطتنا ثلاث أوقيات من الخبز حين كنا في غاية الجوع!
حين وصلت كوكي الى المخبز صاح الصندوق: أيها الموقد أحرقها أحرقها! فأجابته النساء الثلاث: لا نستطيع لأنها أعطتنا ثلاث أوقيات من أعواد الذرة لنكنس بها الموقد بدلاً من شعورنا.
عندما أقتربت كوكي من مدينتها أحست بفضول شديد للنظر داخل الصندوق ورؤية ما فيه،/ وبمجرد أن فتحت الصندوق خرجت منه دجاجة و فراخها من الكتاكيت الذهبية بسرعة شديدة.. ركضت كوكي خلفها، مرت بشجرة التفاح ولم تجدها، كذلك لم تجد لها أثراً تحت شجرة الخوخ، إلى أن وصلت الى شجرة الكمثرى، حيث وجدت السيدة التى رأتها في المرة السابقة، تحمل عصا بيدها وحولها الدجاجة وفراخها الذهبية منتشرة تأكل. اختفت السيدة وعادت الدجاجة وفراخها الى الصندوق.
حين أقتربت كوكي من القصر قابلها ابن الملك وقال لها: اذا سألك الملك ما الذي تريدينه كمكافأة لك على أحضارك الكنز، فاطلبي منه صندوق الفحم الموجود في المخزن.
على أبواب القصر الملكي وقفت الخادمات و الملك وحاشبة القصر لاستقبال كوكي. ناولت كوكي الملك الصندوق، فقال لها: اطلبي ما تشائين وسوف يكون لك، فقالت : أطلب صندوق الفحم الموجود في المخزن. حمل إليها الصندوق الذي فتحته وقفز منه ابن الملك، حيث كان مختبئاً فيه. كان الملك سعيداً لأن كوكي سوف تتزوج من ابنه.

تعليقات